مازن ! … همست ريما من بعيد … في ظلام العالم
حبيبتي … ! ناديتها بخشوع لم يعرفه مؤمن أمام إله
حبيبتي ! وللحب معنى الصلاة … صلاة لآلهة العواطف الحارقة في لحظات الوحدة … للحب شكل الجنون … جنون يسحقنا عندما يقف الخيال بلا أجنحة … وتصبح للواقع أشرعة النسور الملكية …
كان القمر هناك … فالتمعت دمعتي … رأتها ريما … لم تسأل … فسؤال عن دموع يستجر المزيد منها … وريما لاتحب الدموع ..! المرة الوحيدة التي بكت فيها … كانت ريما تبكي فرحاً … يوم أرادت أن تمزح فاصطنعت الموت … جئنا من آخر الدنيا بمناديلنا وورودنا … سرنا بالعشرات وراء النعش الوهمي غير مصدقين … يومها استرجعت بسمتها … رسائلها … في وسط الزحام وضجيج الصلوات … جاءني صوتها قريباً هامساً … هازءاً بكل ضجيجهم …
يلا تنام ريما … يلا يجيها النوم
عندها عرفتُ أن كل ذلك كان لهواً … لكنها كانت سعيدة حتى الدموع لأنها اكتشفت رصيدها من حبنا
يومها قالت لي دون أن تخفي بريق اللحظة في عينيها : يا الهي ما ادفأ حب الاصدقاء … كم هو رائع أن أكون بينكم !! … عن جد مازن
كانت دوماً تكتب بهذه الطريقة « عن جد مازن ! » كأن بها هاجس أن ماتقوله لايُصدق … كأن ماتعيشه لم يعشه إنسان … لذا كانت تعيشه بتميز .. بانفعال … بحماس ! وكانت عواطفها تلك هي التي تعطي للزمن قيمة … للزمن الرديء … البارد … اللامبالي … قيمة الحدث الفريد
علمتني ريما (ربما دون أن تعلم) انه ليس للزمن قيمة مطلقة … بل نحن من نعطيه كل قيمته … شعورنا بأهميته … بحلاوته (مهما بدا تافهاً لغيرنا) هو الذي يكسبه قيمة موجبة …
» ! عاشت حياة الترحال … هورا … «
كتبت لي قبل أن تسافر في « يوم عادي » مع بعثة أثرية « عادية » … تنقب في الماضي … تنبش في التاريخ ربما لترى الغد بعين جديدة … ربما سافرت يومها بحثاً عن المجهول … عشقاً للحياة … حين يصبح لها طعم الدهشة و استدارة العيون المنبهرة … أمام غموض الأمس ومغامرة الإنسان عبر العصور … تماماً كما هي أمام فكرة جديدة … غريبة … مجنونة
رحلت ريما في يوم عادي … ! وطافت الى سطح الذاكرة تسع سنوات من الحياة في عالم كانت فيه صديقتي ! ذكريات أصبح لها طعمٌ مرٌ !! شديد المرارة … ولون قاتم … شديد السواد .. كالاسئلة التي ماكفّت يوماً عن الوجود … ولكنها فجأة صارت هواجساً … تحولت في يوم عادي من ترف فكري وآراء فلسفية وجودية لتكتسب وجوداً مادياً بنعشٍ، بأزهار جنازة … ودموع … في يوم عادي لم يعد الموت موضوعاً بل صار دليل هشاشة الإطار الذي كنا نظن انفسَنا قادرين على العيش فيه ببعض الفرح … رغم كل شيئ
يا إلهاً إن كنت واجب الوجود حقاً … فاشرح لي هذه « اللعبة » الشيطانية
أحقاً أصبحت ريما تحت التراب !؟ أحقاً … بربك يا رب أخبرني ؟
أحقاً أنزلوها هناك !؟ … أنا لم أجرؤ على النظر يومها … بقيت في السيارة خلف دموعي ونظرت اليهم من بعيد … يتماوجون خلف ماء يأسي لكنك تعرف كل شئ كما يقولون ! أهم انزلوها حقاً هناك؟
أخبرني يارب : أحقاً عندما يهبط الليل … لا تعود ريما الى بيتها ؟ أنت حتماً تعرف أن بيتها لقريب ! لعلها تعود سراً دون أن تراها
…دعك منه ريما ! فهو نفسه لم يعد يفهم لعبة … اخترعها
دعك منه …
سآتي أنا كل مساء … عندما تعانق الشمس التعبة « شواهد » بيوتكم ! سآتي اليك صديقتي … لأروي لك قصتنا … نحن من تأخر موعدنا … سأحكي لك كل شئ ! لانني لا اريد ان اصدق أن كل ما أعيشه منذ ذلك اليوم البعيد هو فائض تفضلت علي به الآلهة ! ساقول لك ريما انك لم تخسري شيئا ً وان عالمنا مازالت تفترسه الحروب … والأديان ! لازالت تنهشه الحيرة … الفوضى … الألم … الاحلام الموؤدة والأحكام السريعة الغبية …
سأجلس قربك يا ريما …على ذلك الحجر الأملس البارد … وأهمس لك بصوت خافت … سأحاول أن أخفي عنك دموعي … وآن فشلتُ فلا بأس … سأبقى مع ذلك … ستسألين لِمَ أبكي .. سأمتنع عن الإجابة في البداية وحين ستملأ الدموع فمي … ستسألين بإصرار ودهشة … عندها سأجهش في البكاء ككلب مصاب جريح … سأرتمي قربك وسيستر الليل ضعفي في عالم الأقوياء … وبنظرة وادعة منك ستمسحي آخر جروح حياتي كما فعلتِ في كل مرة جرحتني تجاربٌ ما ملكت كل مفاتيحها ! سأروي لك آخر أخطائي التي لارجعة عنها لأسمع منك كلمات تطفئ بعضاً من نار حزني … سأقول لك ما يحرقني منذ رحيلك … سأبوح لك انني اشتقت اليك … اشتقت اليك … عن جد ريما
عن جد ريما