De cris et d’hirondelles …

حديث الصراخ والسنونو

ماعاد أحد يذكر من أين خرجوا وكيف تجمعوا من بدأ الصراخ ولماذا … وكيف أصبحت الصرخة مشاعاً ! كيف صار الجميع أول الصارخين ولا كيف حدث أن طالت الطريق قروناً دون أن يخفت الصراخ أو تنفجر العروق !

أنا كنت هناك وشهدت كل شيء
واليوم أشهد أمامكم … بعد صمت قرون … أشهد اليوم لا لشيء سوى أن الجميع قد رحلوا ولم يبق سوى بعض الرماد اللذي لفح الوجوه … المحكمة لم ينج منها سوى بضع أخشاب معلقة بآخر المسامير … مطرقة القاضي … مزق مرافعة الدفاع تلاحقها الريح على أرض خشبية … حمراء

في أحد أيام تلك الحقبة، دخلت غرفته … كان يقف صامتاً .. رأسه يستند إلى زجاج النافذة … ينظر بعيون تائهة الى أمواج البشر والصراخ … كانت أحداقه تضيع في لانهائية التفاصيل … كان صعباً على أي كان أن ينفذ إلى دماغه … بم عساه يفكر ؟ كان يمكن لعينيه المحايدتين ويديه الغائرتين في جيوبه أن تكون الصورة الخارجية لبركان ثائر … الصورة الزمنية لآخر اللحظات قبل الإنفجار … كما كان يمكن لها أن تكون آنعكاساً لأشد المواقف حياداً … وبروداً ! ولعل هذا العجز عن التنبؤ بحالته … تلك الحيرة بين اللهب والجليد هما اللذان كبّلاني ! نسيت كل ما دخلتُ من أجله … آلاف الأفكار … آلاف الأسئلة … آلاف الكلمات … جاءت بي لتغور في عمق عينيه … لتحترق في لهيبه … أو لتنطفئ في جليده … لا أدري ما حدث تماماً ولا كيف صارت من الماضي … كان يمكن أن يحدث لها أي شيئ سوى أن يبقى لها شيئ من الأهمية …

اليوم … بعد قرون من تلك اللحظات أتساءل : كيف يمكن لنظرة بهذا الحياد أن تأسرني حتى الشلل !؟ كيف أمكن لمثل هذا العدم أن يرمي في غياهب النسيان أسئلة بتلك الجدية ؟ وذاك العمق ؟ في وقت كنت أعتقد فيه أن التاريخ يكتب في الخارج من جديد !؟

لا أدري تماماً كم بقيت هناك بلا حراك .. أحملق فيه … ذاك اللذي انتشلني ضياعه من عجلة الزمن ودورة التاريخ ! أتساءل اليوم … اليوم فقط أي أهمية أمكنني أن أعلقها عما عساه يدور في رأسه وهو الفرد الوحيد في غرفة كئيبة في يوم كذاك … يوم للدم .. للكتل البشرية المتلاحمة … يوم للموت والصراخ حتى الصمم !؟

لا أدري كم لزمني من الوقت لأكتشف أن شفتيه تتحركان … كان يتكلم وكان يتوجب علي أن ألامس وجهه لأسمع ما يقول … لابد أنه شعر بوجودي ولكنه لم يبد أي انقطاع في انسجام ضياعه … في انسياب تحليقه في فضاء الأفكار التي شدتني حتمية وجودها رغم جهلي بكنهها

أتسمع …؟ قال بصوت خافت كمن يخاطب نفسه  

وانتبهت لأول مرة أن ثمة موسيقا كانت تنبعث من جهازه … أصخت السمع ما يكفي لأتبين « سيمفونية البطولة » لبتهوڤن .. لم أكن يومها من عشاقه ولكن اجتماع تلك الظروف وتوتري الشديد لحظتها جعل لتلك الألحان اثراً استثنائياً يصعب وصفه بكلمات

يريدونني أن أساويه بتلك الكتل البشرية التي لا تجيد إلا الصراخ … يريدونني أن أكتب عن شقائهم … ومتى كان الشقاء حدثاً !؟ متى كان استثناءاً ؟ عن ثورتهم ! ومتى كانت إلا صراخاً !؟ بل وفاتحة لشقاءٍ جديد !؟ انظر الى تلك الجموع … إنها لتثور على ثورتها الماضية … كل ما اختلف هو الصراخ … والشارع … نعم يومها مروا من ذاك الشارع الآخر … لأن المحكمة كانت هناك … قبل أن يحرقوها ويشيدوا تلك التي ستُحرق اليوم … ! ربما اختلفت الوجوه والشعارات … ربما ستختلف طرق الإعدام ولكن الكذبة الكبيرة متعددة الصور مازالت تحكم هذه الرؤوس الفارغة

كان بين الحين والآخر يصمت ليسافر مع لحن شجي … يغيب … يطير … ليعود في النهاية ويحط في هذا الشارع الطويل .. ويضيع في التفاصيل … كانت الجموع كالأمواج وكانت كل موجة تتقدم لتترك خلفها أجساداً تئن تحت وطئ الاقدام … تتلوى في بركٍ من الدماء … وما من أحد كان يلتفت إلى الوراء

وباء … وباء جماعي … كم هو صعب أن يكون أكثر الأوبئة إنتشاراً أشدها فتكاً … وأصعبها شفاءاً … لأنه محفور في روحنا … حب الانتماء إلى النوع الإنساني باعتباره خلاقاً مبدعاً … قادراً على الخروج من دائرة الدفاع عن وجود مفروض الى فضاء لامتناه من الصور … من الزمن الذي لايوجد إلا لأن دماغاً جباراً فرضه على نفسه وعلى الآخرين … كم هو صعبٌ عندها ألا نكون إلا « الآخرين » … دوماً حتى الفناء … كم هو قاس أن ندور في حيزنا كالجرذان بينما يحلق آخرون كالسنونو المهاجر … دوماً إلى وجود جديد … وسموات ما رآها أحد … الى عوالم أكثر اتساعاً … بآلاف السنين الضوئية … كم هو صعبٌ أن يكون للحدث عندنا معنى واحد .. متفَقٌ عليه ! عندما يكون هناك من هو قادر على الدوران حوله كالفراشة يلتقط له ألف صورة و يسكب عليه ألف لون .. ثم يأتي ليقتلنا بحيادنا .. بنظاميتنا … بمحدودية رؤيتنا … ليذبحنا بإدراك سطحية انطباعاتنا عن عالم سحري بديع !! عندها نغضب .. نثور و نصرخ .. نقتل بإسم الإنسانية ! ولأننا مهددون بالخروج من مدى الإنسانية الحقة .. المبدعة .. الخلاقة … المحلقة … لأننا عاجزون عن البقاء فيها .. فنجعل منها تشابهاً .. تسطحاً و حياداً ! تحت اسم العدالة ! لأننا تفتقر إلى الخلق … نجعل الخلّاق مستبداً … ظالماً … محتكراً للسعادة ! لأننا يعوزنا الإبداع … نجعل السنونو نسر جيفٍ لا يحلق الا لينقض علينا  … فنشهر البنادق … ونطلق النار

كان واضحاً أنه ماكان يأبه بوجودي .. كانت الكلمات تنساب كالحمم من شقوق الارض الممزقة .. ثقيلة .. ملتهبة حارقة ! كان واضحاً أنها لم تكن وليدة اللحظة بل كان حديثه حديث من الألم والحرقة منذ أمد بعيد … وما خرج اليوم إلا لأن الشقوق صارت أوسع من أن تحتوي كل ذاك اللهيب

هناك لحظات تضيع فيها الألفاظ … تصبح مجرد فائض لاحاجة لك به لتغور في أعماق قائلها … يقوم مقامها لمعان العيون … اختلاج الصوت … رجفة الشفاه ! في مثل تلك اللحظات أمكنني أن أعيش بشفافية نادرة كيف انتهى محدثي الى الاستسلام لحقيقة أن ذاك الوباء الذي أشار إليه قد فتك به فتكاً … أمكنني أن ألمس كم كان حديثه الذي حاول أن يلونه بصيغ شمولية عامة … كم كان ذاك الحديث شخصياً … كم كان يمس من جراحٍ كانت تحرق روحه هو قبل غيره من البشر ! ووجدتني دون أن أشعر … في لحظة سقطت فيها كل رغبة في المحاكمة أو النقاش … في لحظة يجف فيها الحلق لألم إنسان … وجدتني ارفع يدي وأربت على كتفه … من يدري ؟ ربما لأن ماقاله لم يكن غريباً عليّ

فاجأته يدي … سرقته من نفسه … أعادته الى غرفة صغيرة تطل على شارع يتزاحم فيه الموت والضجيج ! فَهِم أني أدركت ألمه وأنه ماعاد بإمكانه أن يلعب دور المراقب المحايد … دور المؤرخ الأمين .. وكان واضحاً أن ذلك ماكان ليحرجه أو يجعله يندم على استرساله في الحديث … كأنه قد أدرك أن الساعة لم تعد ساعة الأدوار … واليوم أعرف أنه وقتها كان لاشك مدركاً أن مابقي له من حياة … كان يعد بالساعات

« نعم … أنا لست إلا واحداً من هؤلاء .. اختنق في مساحتي .. أتسول حلماً .. لحظة تحليق فوق مزابل السخف والمشاعر الباردة … المحايدة .. أتظن أن وقوفي الهادئ هنا خلف النافذة دليل تحضر أو سعة أفق !؟ أتظنه دليل فكر متفتح متعطش لتلقي العبقرية !؟ لا … إن كل إبداع يضيئ في أي مكان على هذه الأرض لايزيدني إلا غرقاً في الظلام … إن كل لحن بديع لايطربني إلا بمقدار ما يزيد جرحي عمقاً … وحياتي عزلة ويقيناً بأنني لست إلا علقة تعيش على حساب الآخرين !! لابد أنك تتساءل لماذا اذاً لا أنزل لأغرق في هذا البحر الهائج … لأصرخ مع الصارخين مادام الجرح واحداً والألم مشتركاً !؟ لكنك ربما تنسى أنني مؤرخ ومن يقرأ التاريخ يسأم الصراخ … تصمّه الصرخات القادمة من فجر التاريخ … ممزوجة بحشرجة الدماء والنحيب … التاريخ يا صديقي يقتل الصرخة بحجة اللاجدوى … وحجة التاريخ تحمل في ذاتها … برهانها ..! أتدري لماذا لا أنزل ..؟ لأن التاريخ علمني أنه قد أمكن للحضارات أن تفنى .. أمكن للآلهة أن تأخذ ألف شكل وألف اسم … أمكن للصراخ أن يعلو وللطلقات أن تشقَ الصدور … أمكن للنظريات أن تولد وتزرع الموت من حولها قبل أن تموت بدورها … ولكن السنونو ما أخلف الموعد أبداً !! دوماً في نفس الوقت من كل عام … تراه خفيفاً .. مرحاً … تواقاً إلى الرحيل لأفق جديد … أعلى من أن تخنقه روائح البارود …!!! من أجل ذلك أقف صامتاً … وبعد ساعات سأقف في المحكمة أدافع عن تاريخ الأفراد … تاريخ العباقرة … لأنه الشكل الوحيد لإنتقامي … أريد أن أكتب عنهم … عن موتهم .. وكلما كانوا عظماءاً كان في موتهم دوائي … كان في رحيلهم مولدي … كلما كانت الكتابة عن روائعهم أصعب … كلما كان وصف تحليقهم أشد إيلاماً … كانت الخاتمة أشد متعة … فتراني أزين غرفتي … أرتدي ثياب العيد .. أستلٌ قلمي المذهّب وأكتب متلذذاً بكل حرف : « وشاء القدر لتلك العبقرية … أن تنطفىء ..! » وأتوقف … لا أكتب حتى التاريخ … أريدها انت تكون آخر ما يبقى في الأذهان … مفاجئة كنهاية سهل تشرف على هاوية سحيقة … أترك قارئي يهوي … يهوي في فراغي … ومن يقدر على تجنب السقوط … يبقى على الحد الفاصل بين العبقرية و سخف لعبة الحياة .. بين جنون الابداع … وعبث الوجود

اليوم … بعد آلاف السنين … مازالت كلماته محفورةً في ذاكرتي … ومازال مشهد عينيه أغنى ما رأيت ! ذاك الذي تروي الحكايات أنه بقي وحيداً في محكمة تلتهمها النيران … بلا قاض بلامحام ولا مستمعين … يتلو دفاعه عن الابداع … عن الإنسانية الحقة ..! تروي الحكايات أن أحداً لم يره بعد ذلك … ولعله ما خرج من المحكمة قط … أذكر أنني عدت هناك بعد « انتصار الثورة  » … أخرجت من تحت الأنقاض والرماد … ما تبقى من أوراقه .. ضممتها الى صدري … وخرجت من ذاك الهشيم

فاجأني النور .. نظرت الى الأعلى … كانت السماء صافية … وكانت أسراب السنونو قد بدأت الرحيل … الى أفق جديد … أعلى من أن تخنقها روائح البارود

Laisser un commentaire