Froid d’été … !

عندما كنا شباباً كنا شديدي التسيّس … كان لكل منّا نظريته ووصفته لإخراج المجتمع من المأزق … كنا نعي أننا نعيش في بلد يحكمه العسكر وتُراقب فيه وسائل الإعلام … ولكننا كنا على شبه يقين بأننا في نهاية الأمر قادرين على جلب المعلومات من جهات مختلفة ورص قطع الفسيفساء الواحدة إلى جانب الأخرى لنكمل في أذهاننا صورة موضوعية للعالم الذي كنا نعيش فيه … لا بل وصلنا إلى بدهية أن التعتيم الإعلامي ( حتى في ذلك الزمان السابق للإنترنت) هو أسلوب عقيم، مكلف ولا فائدة منه حتى من وجهة نظر واضعيه

ذهبنا إلى فرنسا وتلك القناعات راسخة في عقولنا …

في ذلك المساء … أكلت مع إباء في المكدونالد ثم اتجهنا إلى دار السينما لنشاهد فلماً لم أعد أذكر عنوانه … أثناء مشينا تحدثنا عن أمور تافهة، لا شك أننا ذكرنا بالسوء بعض الأساتذة أو الرفاق … ربما تحدث لي عن مشروع زواجه المستحيل مع ماري (تبين فيما بعد انه لم يكن بهذه الاستحالة) … كنا باختصار شابين كانت أمامهما سهرة لطيفة

كان الفلم عن المحرقة (إبادة اليهود) … رأت عيوننا تلك القطارات المتخمة بالناس والأطفال تغلق عليهم أبواب القاطرات بصعوبة من كثرة من حشروا فيها … رأت عيوننا كيف تحول هؤلاء إلى عظام يكسوها جلد رقيق …. بعد شهور من الجوع والبرد

شاهدنا وإباء كيف كانت تُجر أجسامهم بعد خروجهم من غرف الغاز بالجرافة لتنتهي في الخنادق التي حفرها لهم بقية المسجونين قبل ان يحفر قبورهم بدورهم مساجين آخرون تأتي بهم القطارات بعشرات الألوف ليموتوا كالجرذان

شاهدت مع آباء كيف طور النازيون طريقة لصناعة الصابون من عظام الموتى وكيف كانوا يقتلعون أسنانهم الذهبية لصهرها في سبائك لدفع فواتير حربهم المجنونة … كانت مشاهد الأجساد العارية وهي عظام في الشتاء بانتظار دورها أمام غرف الغاز لا تحتمل وكان المصورالألماني يتوقف مطولاً على تلك الوجوه المحفورة من شدة الجوع والبرد وكأنه كان يبحث عما يمكن للإنسان ان يشعر في مثل هذه الظروف… وكانت النتيجة مفاجأة … لا شعور يسهل قراءته … وكأن سريالية الحالة انطبعت على سماتهم على شكل العدم … وكأن أي شعور كان يمكن أن يعني ان ما يحدث هو حدث إنساني يمكن أن تقابله مشاعر ما وبالتالي أي شعور كان يمكن ان يعيد ذلك الجحيم إلى عالم بشري ممكن

خرجنا من الفيلم نمشي كتلك المخلوقات في أفلام الرعب … أقدامنا تمشي بشكل اصطناعي … عيوننا تنظر أمامنا دون ان ترى شيئاً !! ١٠ دقائق مرت دون ان ينبس أحدنا بكلمة … لعشر دقائق صار وجهانا كوجوه أولئك اليهود قبل ان يحرقوا … خاليين من أي تعبي… لان تاريخ طفولتنا الذي يفترض فيه ان نتعلم فيه تلقائياً أي تعبير يتفق مع أي مشهد لم يشهد مثيلاً لما رأيناه للتو … بحثنا بيأس عن أي شئ يشبه ذلك وفشلنا

مشينا أنا المسلم وهو المسيحي في جنازة كل هؤلاء اليهود الأبرياء الذين انصبت عليهم لعنة البشر … مشينا في جنازتهم بعد نصف قرن من آخر ذرة تراب رماها فوقهم أشباههم من الأشباح ممن ردموا الخنادق عليهم قبل ان يدخلوا بدورهم تلك الغرف الرهيبة

بعد تلك الدقائق الصامتة بدأنا نتسائل الأسئلة التي بدأت سريعاً تحتل دماغينا بشل بدهي … كيف عشنا كل تلك السنين دون أن نرى ذلك… في أي قبو أمضينا شبابنا وما عساهم أخفوا عنا من حقائق … أخرى … ثم أنهم كيف استطاعوا إخفاء ذلك … لا زلت أذكر كيف كان فلم « موت أميرة » تحت كل إبط وفي داخل كل منزل رغم رغبة السعوديين بالتكتيم ورغم تعاون السلطات معهم … كيف إذا ما وُجد أحد ليسرب تلك الصور وتلك الأفلام ؟ اين كان البشر من حولنا من ذلك الإثم الجماعي … ؟ بل لعل موقف مفتي القدس كان معبراً عن رغبةالجماهير المسلمة ؟

كان كلانا شديد التمسك بحق العودة وبضرورة نصرة القضية الفلسطينية ولكن ما شاهدناه بث فينا الكثير من الأسئلة : هل نحن بحاجة إلى أن نغلق أعيننا عن هذا الحدث الرهيب بحجة أننا لم نكن المخطئين … ؟ كيف يمكن لنا ان نبني حضارة جديدة على إنكار هذه الجريمة المذهلة أو حتى على مجرد التقليل من فظاعتها … ؟ كيف يمكن لعاقل يعتقد بأثر أحداث التاريخ على قناعات وتصرفات اللاحقين أن لا يضع مثل تلك الحقائق على كفة الميزان أو على الأقل في قلب الملفات ؟

لقد كانت تلك الأمسية نقطة تحول أساسية في نظرتي إلى الكون … كانت منعطفاً على طريق اليقين الذي كنت أمشي فيه بهدوء الواثقين … كانت تلك الأمسية جنازة للحضارة الإنسانية ورصاصة في قلب عالم كان فيه أشرار وضحايا واضحين … كل في طرف … بعد تلك الأمسية اختلطت الضحايا وعم ضباب الحقائق الرمادي أفكاري … ومن ثم تسلل السم إلى أمعائي فاتجهت إلى اقرب زاوية لأستفرغ كل ما أكلت بحرقة

مد لي إباء بمحرمة ورتب على كتفي ثم مشينا صامتين … نرجف برداً في وسط الصيف

Laisser un commentaire