دخلت مكتبه منذ ثلاثين عاماً للمرة الأولى كما دخله مئات الطلبة اللذين استقبلهم فريق البحث الذي كان يرأسه ! ومنذ ذاك اليوم مر في حياتي عشرات الأحياء لعشرات الأسباب وأعلم اليوم متأخراً كم كان رونيه دافيد فريداً و نادر المثل على الأرض. أعلم اليوم كم أضعت من وقت لأكتشف ذلك بعد فوات الأوان و كم كان يمكن لي في ألف مناسبة في عالم كان فيه على بعد خطوات مني أن أنهل من معرفتي تلك كنوزاً فاتت علي
في ذلك اليوم أدار رونيه كرسيّه المتحرك ليقابلني وبانت لي تحت بنطالٍ بدا عريضاً فخذاه الضامرتان اللتان لم يقف عليهما منذ عشرين عاما فصلوا لقاءنا عن حادث تزلجٍ أقعده نهائياً ! ابتسم لي وقال لي كم هو سعيد بقدومي وشكرني على خياري فريق بحثه لفترة تدريبية قبل تخرجي من مدرسة الهندسة
غريب كيف يمكن لتفاصيل صغيرة أن تكشف معادن البشر و أعماق ذاتهم ! كانت حدقة عين دافيد عند نهاية كل جملة يقولها تقفز بسرعة يلفها القلق من طرف عينه الى الطرف الآخر كما لو أنها تبحث عن إحتمال أن يكون لما قاله للتو أثر سيئ غير متوقع في نفس المتلقي ! وأعلم اليوم أن هذا الخوف لم يكن مصدره ضعفٌ في شخصيته أو قلة ثقة في نفسه بل كان وقوده اعترافه الضمني بمدى اختلاف البشر كأفراد والثقافات كخصوصيات جماعية. أغلب الظن أن دافيد كان قد استسلم الى بدهية أن هذا الأختلاف الذي لا يمكن تجاوزه لايسمح لأي أنسان أن يضمن بشكل قاطع أنه بما قال لم يتجاوز حدوداً يجهلها أو ينكأ جرحاً أخفته عنه سطحية المظاهر ! ولكنني في ذاك اليوم الأول أسأت التأويل مخدوعاً بدوري بسطحية المظاهر و تعجرف الشاب اللذي كنته
كان أعضاء الفريق عندما يذكرون دافيد تراهم كمؤمن يذكر نبيّه بخشوع ! قد يجدر القول أنهم كانوا أحياناً يذكرون بابتسامات خفف من حدتها التكرار مدى صرامته عندما يتعلق الأمر بقواعدٍ يعتبرها مهمة بعكسهم ولكن ابتساماتهم تلك ماقاربت يوماً حتى من بعيد ما يشبه الاستهزاء أو النقد بل كانت دائماً تلفها روح المحبة والإعجاب ! من تلك القواعد مثلاً تلك المتعلقة بحجم الحروف المطبوعة التي ينبغي استخدامها في التقارير أو ملفات العرض على الشاشات أو المسافة قبل وبعد النقطتين وما إلى ذلك من تفاصيل ! وأذكر أنني خرجت من مكتبه مع ورقة تشتمل على كل تلك القواعد
حسان اللذي كتب معه كتاباً تُرجِم إلى عشرات اللغات أمضى سنين عمله التي تلت تلك المغامرة الفكرية يتغنى بصفات دافيد العلمية و حرصه على دقة اختيار الألفاظ و حسن ترتيب الأفكار بما يسمح للقارئ سلاسة القراءة و عمق الفهم ! كنت شريك مكتب حسان هذا خلال سنوات ولاذلت أذكر كيف كانت تنقلب روحه و تلفه الذكريات عند مجرد ذكر اسم دافيد كعشيق سابق فقد حبه الى غير عودة وتراه يستذكر لمساتِ يدٍ و عذوبةَ صوت وهمس كلمات حميمة لن يسمعها بعد اليوم
ورغم كل ذلك لا أستطيع اليوم أن أعيد كتابة التاريخ لأعطيه نكهةً تغالط الحقيقة لتتوجني مسحة عمق وإدراك ما ملكتها في تلك السنوات وربما مازلت لا أملكها
كنت شاهداً على كل ذلك من بعيد ! كان من الواضح من كل تلك التفاصيل أن مكان دافيد في قلوب و أذهان كل من كتبت له الأقدار أن يصادف طريقه كان مميزاً، فريداً و نهائي التوصيف ! ولكن ما قررت أن أعترف به اليوم لكم ربما ليحمل من الندم و العار أكثر من كل الأخطاء اللتي اقترفتها في حياتي وما أكثرها
إن الشاب المثقل باليقين اللذي كنته قد عزا تلك المشاعر التي قرأها على وجوه كل من عرف دافيد إلى مزيج يغلب عليه الاحترام و يحتوي رغم كل شيئ على مسحةٍ من شفقة عزم الجميع على تجنبها في قرارة وجدانهم دون أن ينجحوا ! كنت أظنهم يكبرون في دافيد شجاعته على محنته و كيف أنه حوّل يأسه إلى محرك نجاح في علمه و إدارة فريقه حصراً ! لابل أنني عزوتُ صرامةَ تمسكه بتفاصيلٍ كحجم الحروف أو إعادة كتابة فصول كتابه عشرات المرات إلى افتقاره لكلِ مايملئ وقت من لم يصبهم ما أصابه ويجعل وقتهم أغنى من أن يفعلوا خلاله ما كان يفعله ! اختصرت دافيد فيما ظهر لي، أنا الغبي المتعجرف، كرسي بدواليب و مكرسح عليه يحاول اشغال وقتٍ كان لابد أن يبدو له طويلاً لا نهاية له
جاء نبأ وفاته صدمة للجميع ! قبل اسبوع شاركتُ أصحابه أمسية سنوية كانوا يقيمونها منذ سنوات عديدة ! وكان دافيد هناك على نفس كرسيه وحوله نفس علامات الإعجاب والحب !! أكل بلذة وشرب بتذوق و ابتسم لنكاتِ عدة وشارك في نكات قالها وحدقة عينه ترقص رقصتها التي لاحظتها في أول يوم ! أعتذر قبل النهاية لأن سيارة خدمة الضمان الاجتماعي جاءت لتعيده إلى منزله.
كانت صورة دافيد ترمقنا من فوق نعشه وحولها أكليل من الورود ! وكان تتوالى على الحائط الأبيض الذي واجهنا صورٌ من ماضيه البعيد وحاضره القريب ! وتلقيت صفعة حياتي مع أول صورة رأيتها ! كان دافيد فيها شاباً وسيماً شامخاً مفتول العضلات طاغي الشخصية ! تظهره الصورة بالأبيض والأسود في محطة تزلج و حوله شباب في عمره وكان كل واحد منهم كالشهاب المضيئ ومع ذلك ماكان يمكن لأي ناظرٍ ألّا أن يُسلمَ دون أدنى شك بأنه كان نجم الفريق وقائده الطبيعي دون الحاجة إلى انتخاب ! لم أر دافيداً قبل تلك اللحظة الا كهلاً أبيض الشعر قليله, ضامر الفخذين فوق كرسيه كما لو أنه وُلد كذلك ! كان وقع تلك الصورة عليّ كوقع الصاعقة !! لكم كان مؤلماً لذاك الشاب الذي لابد أن يقينه بأمكانياته و اتساع أفق مستقبله كان لانهائياً أن يتحول في لحظات الى سجين عاقةٍ انكبت عليه من غير موعد ولا إنذار !! وزاد ذلك عندي من قدسية الهالة التي أحاطه بها الجميع ! لأن النهوض من ذاك السقوط من القمة التي لخصتها تلك الصورة لهو من البطولة بمكان يصعب تخيله
أظهرت صورٌ تلت تلك التي صفعتني دافيداً وقد اعتلى إحدى درجات منصة الميداليات الأولمبية في أولمبياد طوكيو !! بعد سنة من سقوطه نال دافيد على ميدالية اولمبية للمقعدين ولم يخبرني أحد بذلك طيلة عشرين سنة ! ثم علمت أنه أسس فرع غرونوبل لرياضة المعاقين وتولى رئاسته طيلة عقد من الزمن ! وروى لنا الرئيس الحالي كيف تنحى دافيد عن منصبه له دون أن يتوقف عن مساعدته كما لو أنها مازالت مسؤوليته دون أن ينسب لنفسه رسمياً أي دور أو شرف ودون أن يتلفظ بكلمة نقد طيلة عقد من الزمان
ولكن تلك لم تكن إلا بداية المفاجآت !!
توالت على المنصة شخصيات مختلفة أخبرتنا كلٌٌ منها عن جانب من جوانب حياة دافيد ودوره الفعّال في مجتمعات صغيرة منفصلة و شديدة الاختلاف ! وكانت الصور المتوالية على الجدار تسكب على الكلمات ألوان حقيقة مضت بعد أن غابت عني
روى لنا آخرٌ كيف أن دافيداً اخترع جهاز رماية بالقوس لفاقدي النظر وكيف أتاح ذلك لمئات منهم ممارسة رياضة هي بالتعريف رياضة من يرى وحسب
ثم حاول ابن أخت دافيد دون نجاح أن يحجم عن البكاء وهو يصف لنا تلك الأمسيات التي أمضاها مع خاله الذي وقّع معه ميثاقاً يقوم بموجبه هو بصيانة حاسوب دافيد مرة في الشهر و يجيب على أسألة تقنية ترتبط بالمعلوميات وبمقابل ذلك يرتشفان مساءاً إحدى زجاجات النبيذ الفاخرة مع عشاء أنيق في أمسيات حميمة لم ينس دافيد مرة واحدة أن يردد بوحاً طالما قاله
يسعدني أن تكون هنا وتشاركني تذوق زجاجات أعلم أنه لن يكتب لي أن أعيش لأذوقها كلها ! أنا لايمكن لي أن أحظى بصحبة أغنى من صحبتك ! أتمنى أن تدوم هذه الأمسيات ما حييت !! شكراً لك لوجودك معي
ثم جاءت الى المنصة سيدة قالت إنها تمثل مجموعة أصدقاء مدرسة دافيد الثانوية وهي مجموعة ثابر دافيد على لقياها منذ ذلك الماضي البعيد ! روت لنا كيف كان دافيد رغم ارتقاءه درجات في العلم لم يصل اليها أحد منهم سهل المنال و كيف كان انشغافه بلقياهم حقيقياً وصادقاً ! روت لنا هي أيضاً تكراره لجملة كان يعيد قولها كل مرة :
صحيح أن ساعات عمري لاتكفي لما أتمنى فعله ولما هو فعلاً على لائحة برامجي ولكنني لا يمكن لي أن أضحي بمناسبة لقياكم مهما كان الثمن
كانت آخر المتحدثين فتاة شابة أنشأت مؤسسة خيرية مهمتها تشجيع نشاطات يشترك فيها معاقون وغير معاقين بهدف كسر جدران الريبة والحرج و تغييب العاقة عن جو العلاقات المشتركة ! حكت لنا كيف أن دافيد وقع بالصدفة عليها في مناسبة خاصة وكيف أنه نظم مسابقات وجّهت كل وارداتها لجمعيتها وكيف كان ذلك نقطة تحول في حياة جمعيتها التي عاشت منذ ذلك الحين دون مشاكل مادية ! وعلمت في آخر تلك الجنازة أن صندوق التطوع الذي طلب دافيد وضعه في وصيته على مخرج الصالة كان أيضاً موجهاً لتلك الجمعية
تلك الدقة والمثابرة في الأفكار والأفعال ! ذلك الإصرار على قول المشاعر الجميلة لكل شخص أحبه ولعب دوراً في حياته ! هكذا عاش دافيد وتلك هي الصورة التي تركها في أذهان البشر الذي كُتب لهم حظ معرفته
عندما رفض آخر عملية قلبٍ كان يمكنها إطالة حياته بضعة أشهر قام دافيد للمرة الأولى بإلغاء أمسية البريدج منذ عشرين عاماً لم يخلف مرة واحدة عن تنظيمها ! كان هو من اقترح تلك الأمسيات الدورية التي سبقها بدورات تعليمية ثم تدريبية لمجموعة مختارة من أصدقائه ! فعلها بدقة و مثابرة وتنظيم على مدى عقدين من الزمان وكنت أسمع عما دار في تلك الأمسيات بها من حين لآخر من قبل بعض المشاركين بها ممن كنت أشاركهم طعام الغداء في المطعم الجامعي ! وكانت علامات الحب و الحميمية تحوم حول الكلمات والأحداث و ترفرف فوقها بخفة و سطو
أحس معظمهم يوم ألغى دافيد تلك الأمسية أن شيئاً جللاً قد حدث ! وعلمنا بعد وفاته أن دافيداً بعد أن شعر بقرب النهاية استحضر أخته و صديقة عزيزة عليه ليخبرهما أنه راحلٌ دون حسرة، سعيداً بما كتبت له الأقدار من حياة ! وأعطاهما لائحة لأشخاصٍ طلب منهما أن توصلا لهم خبر وفاته علّهم قد يرغبون في القدوم إلى جنازته لتحيةٍ أخيرة
أعترف لكم أنني ترددت طويلاً قبل أن أصف لكم شعوري عندما عدت أدراجي بعد تلك الجنازة ! ولكن ماقيمة كتابةٍ تحجب أهم الخواطر والهواجس ! فهاأنذا أعترف لكم أنني سرت بموازاة النهر ذاك المساء ببطء و تلك الصور تتوالى في ذاكرتي مثقلة بحزن وجداني عميق … أعمق من أن يفسره فقدان أي إنسان … وفي لحظة لازلت أذكرها كالشمس في يوم طويل قاتم الغيوم … أحسست أنني كنت أسير في جنازتي ! في جنازة الدافيد الذي لم أكنه و لن أكونه، أحسست أنني كنت أسير في جنازة كل الحقائق المخفية التي مررت بجوارها طوال عمري دون أن أراها وأن رونيه دافيد مازال حياً ! لابل أنه سيبقى حياً ! لم يمت يوماً ولن يموت
