Note blanche sur une âme …

التقيت بناتالي للمرة الأولى في أمسية موسيقية نظمتها مدرسة بلدية قي إحدى ضواحي غرو نوبل.

كانت زميلة لي في المختبر قد دعتني إلى حضور الحفلة التي كانت تعزف فيها زميلتي ضمن دروس لها في تلك المدرسة التابعة للبلدية التي تسكن فيها …

بعد ان انتهت الحفلة التف الجميع من عازفين وأهل وأصدقاء حول بعض الشراب والمأكولات الباردة … كان مساءاً صيفياً دون حر سماؤه صافية …

أقترحت عليّ زميلتي ان تعرفني على مدرّسة الكمان ناتالي إذ علمتْ أن لي ماضياً مع تلك الآلة … أمسكتْ بيدي وقادتني في غابة البشر إلى حيث كانت ناتالي تتبادل أطراف الحديث مع بعض أهالي الأطفال الذين كانوا من ضمن الفرقة التي قامت بالعرض …

كانت ناتالي فتاة بيضاء البشرة، قصيرة … وجهها شديد الجمال خاصة عندما تزينه ابتسامتها الطبيعية … كان لقصة شعرها طابع الصبية مع نفشة مقصودة على نمق بطلة فلم Nikita الشهير … الذي كانت بطلته فتاة دربتها المخابرات الفرنسية لقتل اعدائها … !!

كان حضورها طاغياً وكأن كل شئ يدين لها بالنجاح … علمت بعد ذلك أنها صديقة مدير المدرسة الذي طلبت منه البلدية ان يمسك مشروع المدرسة تلك منذ البداية وأنهما كانا وراء كل قرار يتخذ .. لم كنت أدرك ذلك في تلك الأمسية ولكن خفايا الأمور كانت تتبين في تصرفاتها بوضوح لا يترك للشك مساحة … لا بل كان الجميع على علم بذلك وكانوا يتصرفون معها على هذا الأساس …

دعيني أعرفك على زميلي ** … إنه درس الكمان في صغره ثم توقف … فقلت لنفسي انك يمكن ان تقنعيه بمعاودة الكَرة …!!

أشهرت ناتالي ابتسامتها القاتلة وسبرتني من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين بسرعة بالكاد تلاحظ ثم قالت وهي تغمز زميلتي

يمكنني ان أتدبر الأمر !!

بدأت الدروس بعد أسبوع من تلك الأمسية … كنت اترك المخبر في الساعة الثانية عشرة لألتحق بالدرس في الثانية عشرة والنصف وكان الدرس يدوم ٤٥ دقيقة !!

في البداية كان الشعور الطاغي هو الرهبة من مسك الكمان من جديد … ولعل هذا الشعور ذاته يستولي على زوجة تستقبل زوجها بعد غياب عشر سنين كان قد أمضاها في السجن … فهي تخاف من ردود أفعاله أو من تلك السنوات التي ربما جعلت منه كائنا آخر تحتاج للعيش معه إلى مرحلة تدريب جديدة … وهي قد لا تنجح أبداً …

لذلك طلبت منها ان تعتبر انني مبتدئ تماماً وانه يمكننا ان نحرق المراحل الواحدة تلو الأخرى إذا أستوجب الأمر ذلك …

كانت المدرسة بناءا من طابقين، وحيداً تقريباً في وسط غابة يصلها الطريق بشكل ملتو … وكانت الدروس تجري في غرفة صغيرة منعزلة لها نافذة تطل على الأشجار المجاورة … وكان يمكن سماع حفيف الأوراق حالما كنا نتوقف عن حف الأوتار بتلك الخصلات من شعر الحصان التي يصنع منها القوس …

ميزة الكمان انه يجب الاعتناء به وان مجرد إعادته إلى علبته تحتاج إلى طقوس طويلة …

… فخلافاً للبيانو الذي ما على الإنسان عند الانتهاء من اللعب عليه إلا ان ينهض ويرحل….

… يجب على عازف الكمان ان يرخي خصلات الحصان على القوس عن طريق العزقة التي وُضعتْ في أقصى القوس لهذا الغرض …

ثم عليه ان ينتزع المخدة الصغيرة التي توضع في اسفل الكمنجة ليستند عليها الخد تجنباً لملامسة الخشب مباشرة …

ثم عليه ان يضع المخدة في المكان المخصص لها في العلبة …

وحينذاك على العازف ان يدخل القوس في مكانها دون ان ينسى إدارة العزقة ٩٠ درجة لتحول دون سقوط القوس على الكمان أثناء التنقل به …

وفي النهاية يأتي دور الكمنجة نفسها التي يمكن له الان ان يمددها على سريرها داخل العلبة …

دون ان ينسى انه قبل إغلاق العلبة يجب تغطية الكمنجة بغطاء مخملي لمنع دخول الغبار إلى داخلها ….

هذه الفسحة الزمنية التي كانت تلازم هذه الطقوس عند نهاية كل درس كانت المنفذ إلى أحاديث شخصية … بدأ كل منا ينقر قوقعة الآخر لينفذ إلى ما وراء الظواهر … وبدأ جو من الخفة يحوم حول هذا الموعد الرتيب …

صار جديد عليَّ ان انتظر الموعد لأراها أكثر من انتظاري له لتحسين تقنيات العزف …

ولقد شعرت بوضوح أيضاً ان تلك الدقائق كانت تسمح لها أيضاً بفسحة تنسيها كل هؤلاء الأطفال الذين كانوا يوجعوا رأسها بالأزيز الحاد لآلاتهم الصغيرة …

كانت بسمتها كل يوم خميس تغمرني أملاً وراحة وبدأت بالإحساس ان وجودي ربما لم يكن غريباً عن هذه البسمة وانني لم أكن الوحيد الذي ينتظر يوم الخميس بخفة و شغف …

في إحدى المرات … بدأت عزف افتتاحية مندلسون الشهيرة … وكانت هي كعادتها جالسة بانتظار الحاجة لإسداء نصيحة أو ملاحظة …
توقفت عند مقطع بدا لي صعباً …

قالت لي وهي تضحك

« مالَكَ اليوم … تبدو متوتراً جداً … ؟ »

ثم راحت ورائي و حطت يديها على كتفيّ قائلة:

 » سأساعدك على إزالة التوتر … ! « 

وراحت تمسد عضلات كتفي … دون ان تتوقف عن الحديث مخافة ان تنزلق الأمور إلى الهاوية دون تحكم … تحت ثقل الصمت !!

لقد استذكرت في تلك اللحظات كثيراً مما شاهدته من مواقف مشابهة في أفلام لا تحصى ولكن ذلك ما فادني في معرفة ما كان يجب ان افعله في تلك اللحظة بالذات …

ماذا كان علي ان افعل ؟ ما كان يمكنني ان أخسر إذا أسأت التصرف كان كبيراً ، وكان هذا صحيحاً أيّا كان ما سأفعله …! وأيا كان ما لن أفعل … !!!

وراحت الأسئلة تتدافع في رأسي وكأن الثواني كانت دهراً :

هل هي تختبرني ؟ هل تدعوني ؟ هل كانت بكل بساطة، بكل براءة ، تحاول ان تخفف من توتري لاستطيع ان العب مندلسون أم أنها ارتأت أن كلاً منا كان يرمي للجحيم بمندلسون وكل أشباهه وأنه قد حان الأوان للإعتراف بذلك كشخصين بالغين في غابة مهجورة تحيط بها الأشجار الباسقة التي كانت تحمينا من أعين البشر ؟

لما عجزت عن حل المعضلة بعيداً عن عيونها … وجدت نفسي بلا إرادة استدير لأواجهها علّي اقرأ في تقاسيم وجهها الجميل الجواب الذي لم أجده في أي فلم أذكره …

… وكانت استدارتي بالطبع تعني توقف علاج التوتر الذي كانت تقوم به …

عندما اكتملت استدارتي كانت يداها ما زالتا على ارتفاع وجهي …

مع انه كان لها الوقت الكافي لإنزالهما ..!

رمتني من جديد بابتسامتها الملائكية … وهمست مقتربة من أذني …

هل رأيت … كم انت اقل تشنجاً الآن !! … ثم اتخذت يداها وضعية العازف على الكمان …
وأمالت رأسها ببطء كما لو أنها تسنده على المخدة الصغيرة لكمنجتها الخيالية … وقالت همساً :

« كلي آذان صاغية « 

وراحت لتجلس على كرسيها منتظرة ان ابدأ من جديد … رحلة قصيرة مع مندلسون … !!

ما حدث بعد ذلك اليوم لا أهمية له …

لأن قوته لا تُقارن بتلك اللحظات الأسطورية في حياة أي كائن خُلق من إحساس …

تلك اللحظات التي جمعت الخوف، الأمل، الرغبة، الشك، الشهوة واليأس … كل تلك المشاعر الطاغية التي نعيشها عادة مع فارق زمني جمعتها مبادرتها الفريدة في خمسة ثوان من عمري …

وحدها بعض الكائنات النادرة يمكن القول عنها أن الحياة، حياةَ كل البشر تَدين لها … لأنها تكسر الأطر وتطير على ركامها مرفرفة كعصافير جنة لم يتخيلها إله …

إنني وأنا اكتب هذه الكلمات …

أحس بأنامل ناعمة تضغط بغموض على روحي …

و أرى ابتسامة حبيبة تنير كل نفقٍ أجتازه …

لتلفك الحياة بالسعادة … أنّى كنت يا ناتالي …

حتى تهديَ الكون …

ابتسامةً كتلك التي لن أنساها ما حييت

Laisser un commentaire