
عندما كنت اسمع السياح وهم يذكرون جبل الفوجي كنت في بداية الامر ارى في ذلك نوعاً من السطحية التي يتّصف بها بعض السياح ممن لديهم لائحة مما يجب على المرء زيارته وإذا بهم كلّما نجحوا برؤية إحد المعالم ولو من بعيد أو حتى من شباك باص سياحي وضعوا قرب المَعلَم شطبة صليبية وانتقلوا منه الى المعلم التالي على اللائحة !
وربما كان شعوري ذاك تجاه بعض من تحدثوا عن جبل الفوجي كان في محله لأن ما تعلمته خلال زيارتي لا ينفي ان هؤلاء السياح كانوا يتصرفون بالحق كما وصفتُ في البداية ! ما تعلمتُه عن جبل الفوجي خلال الأيام السابقة ما قرأته في كاتالوج سياحي ولا في موسوعة الويكيبيديا ! بل قرأته في عيون اليابانيين ومن حيثيات الزيارة التي ما كانت مكتوبة في برنامج مسبق.
كنت في زيارة لفريق بحث الاستاذ شين وهو ياباني من أصل صيني أقام مخبرا في جامعة صوفيا الخاصة في طوكيو لدراسة طرق التحكم بمحركات السيارات ! واعترافا بجدية أبحاث فريق الاستاذ شين فقد منحت له شركة تويوتا محركاً للبحث و دعما ماديا سنويا دوريا لفريقه دون هدف محدد ثقة منها به وبقدرته على الانكباب على الأبحاث المفيدة والقابلة للتطبيق على المدى القريب او المتوسط !
بعد يومين أعطيتُ خلالهما محاضرات لفريق البحث بقي لنا يومان قُرر خلالهما اصطحابي الى مقر شركة تويوتا حيث كان على الاستاذ شين تقديم تقرير عن أبحاث الستة أشهر الماضية!
كان مقر الشركة يبعد ساعتي طريق عن العاصمة طوكيو. ساق بِنَا شين و طلابه الثلاثة الى ضواحي المدينة التي حجزنا فيه الليلة التي تسبق الاجتماع مع الشركة ! قبل الذهاب الى الفندق قادنا شين الى الجسر المعلق الذي يبلغ طوله ٥٠٠ متر والذي يطل على جبل فوجي !
عندما ترجلنا من السيارة بدا الأسف على وجه شين وقال ان الحظ لم يوافنا لان جبل الفوجي بدا وقد غطته الغيوم البيضاء !! وبالفعل كانت السماء زرقاء نقية الا من بقعة غيوم أحاطت بالجبل العالي كالحجاب يغطي حسن فتاة جميلة !!
تمشينا على الجسر المعلق وقد طوينا الأمل برؤية الحسناء بيضاء العنق تلك ! كان الكثيرون يلتقطون الصور باتجاه جبل الفوجي آملين ان تلتقط العدسة ماغاب عن ابصارهم !
وعندما انتهينا من قطع الجسر في احد الاتجاهين وقفلنا راجعين لقطعه في الاتجاه المعاكس حدث مالم يكن على البال ! انزاحت الغيوم بخشوع عن قمة الجبل وصارت كقلادة بيضاء تجمل عنق الجبل العملاق ! وقف الجبل صامتاً جباراً ولكنني شعرت انه يبتسم بهدوء !
نظر اليه البروفيسور شين وقال لي : كلما اصطحبت احد زائري الى هنا اعود الى البيت فتسألني زوجتي : هل تراءى له جبل الفوجي ؟ وعندما يكون الجواب بالإيجاب تقول لي بهدوء : ان زائرك رجل طيب !! فها أنذا يا مازن أعلن للمرء انك رجل طيب !!
حسن ان تعتبر رجلاً جيدا مهما كانت جدية الإعلان ! لهو أحسن من ان تُعلنَ رجلاً فاسدا او سيئاً لذا فإنني أخذت الصفة بفرح وغبطة !!
عندما انتهت زيارة الجسر المعلق توجهنا الى الفندق في اليوم السابق لزيارة تويوتا ! كان الفندق في بلدة قريبة من مدينة تويوتا وكان البرنامج ان نستريح ساعة قبل النزول الى العشاء الذي كان على ضيافة شركة السيارات الاولى في العالم !
صعدتُ الى الغرفة التي كانت دليلاً جديداً على مهارة اليابانيين في ترتيب الغرف التي لاتكون على الورق اكبر من قن دجاج وإذا بها لا تخلو من شيئ يمكن للمقيم ان يفكر به ابتداءا بالمراحيض المنظفة للجسد التي لا داعٍ لوصفها الى زجاج مرآة الحمام الذي لا يغبشه بخار الماء الحار ! على السرير تمددت قطعة قماش يرتديها نزلاء الفندق حين يصعدون الى الطابق العلوي لتلقي لمسات التدليك الخبيرة !
نزلتُ الى البهو في وكان الجميع بانتظاري رغم انني نزلتُ كالعادة قبل خمس دقائق عن الموعد المحدد ! ترجلنا مشياً الى المطعم الصغير وكانت اُمسية لطيفة الطقس ! من جديد كانت طاولتنا هي الوحيدة وقد التف حولها ثمانيتنا. كان هناك خمسة مهندسين من الشركة وكنت انا والبروفيسور شين وقد رافقنا رجل وقور اسمه اوهاندا وكان هذا الرجل المتقاعد الان يشغل في الماضي منصباً عاليا لدى تويوتا وكان هو من لعب دور صلة الوصل مع فريق جامعة صوفيا !
في تلك الأمسية أكلت سمكاً عن سنة !! سمك نيئ، سمك مقلي، سمك مغلي !! منه يُأكل مع الرز، ومنه ملفوف بأوراق خضراء مطبوخة وآخر يطبخ مع المعكرونة الطويلة الثخينة البيضاء ! كنت قد جربت الكثير من المطاعم ولذا كنت أعرف أن عُشر ما أكله كلٌ منا يُدفع ثمنه في المطاعم العادية حوالي عشرين يورو ! على هذا الأساس كان وجبة واحدنا تفوق المئتي يورو على اقل تقدير !
كان أوهادا جالساً بجانبي اثناء العشاء وكان يقطن تلك المدينة الصغيرة طوال عمره ليكون بجانب مكان عمله ! أطلعني أواهادا على صور كانت موجودة في هاتفه المحمول ويُرى فيها بيته المرتب الأنيق وحديقته المطلة على جبل فيجي !! على شرفة منزله تبعثرت أشجار البونزاي المشهورة في ترتيب بسيط ممتنع ! وعند كل صورة كان عيون أوهادا تكاد تدمع من المحبة والفخر كما لو انه هو اللذي خلق ذاك الجمال الذي يحيط به ! و كان يمكن لي دون النظر الى الصور لمتتالية ان احزر بمجرد النظر الى عينيه المتعبتين أي الصور كان تحتوي على جبل فوجي لأن عيناه كانتا تمتلئان بريقاً و امتناناً ! كما لو أن حظ رؤية تلك الأعجوبة في كل صباح يخلقه الرب لا تناله رتابة الزمن ولا ينضب منه فرح أو دهشة !!
شرب أوهادا الكثير من الخمر الأحمر ولكن ذلك لم ينل من وقاره ودماثته ! عندما انتهى العشاء كان واضحاً أنه كان صادقاً عندما قال انه سيكون سعيداً أن يرافقني في الصباح لزيارة الحديقة المشهورة بينابيعها التي تغلي باردة وهي قادمة من اعماق الارض ! وقد كنت صادقاً اذ أجبته شاكراً أنني أتمنى أن يفعل ذلك واتفقنا على اللقاء في بهو الفندق في الصباح الباكر !
كانت الحديقة بسيطة كالعادة ولكنها كانت أيضاً أنيقة كالعادة ! كان أوهادا كمن يتبع خريطة زيارة في رأسه وراح يقودني من زاوية لأخرى كما لو كنّا مصورين يبحثان عن زاوية لالتقاط صور فنية لطبيعة خلّابة ! وكان كلما وصل الى زاوية جديدة يتنحى ليترك لي كل المكان وينظر الى بهدوء وفخر ! وحقيقة الامر ان الزوايا التي زرناها لايمكن وصفها بسهولة أو لنقل ان روعتها لا تنجم عن وجود شيئ محدد وإنما عن ذاك الهدوء وتلك الدعة الذين يمكن لأي إنسان ان يحلم بهما إذا قاده الخيال الى حالة يكون فيها وحيداً في تلك الزاوية مع كتاب ثمين وغيابٍ الهموم والواجبات ! وكان الاختلاف بين زاوية وأخرى يكمن في الألوان او أصوات المياه التي كانت تنساب من هنا وهناك بين الأشجار والزهور !
أخيراً وصلنا الى هدف الزيارة المعلن ! ورأيت بأم عيني فقاعات تنبعث من أعماق الارض محمولة بضغط الماء الذي كان ينزل باستمرار من جبل الفوجي الى شرايين الارض تحت الحديقة ! نظر أوهادا الي كمن يبحث عن تعاليم الدهشة والإعجاب التي كان لابد لها من ان ترتسم على تعابيري كما سبق له أن فاجأها في عيون عشرات الزائرين من قبلي !! قال لي بفخر : إن ما تراه شيئ نادر حقاً ونحن فخورون به في هذه البلدة !! هذه الفقاعات هدية من جبل الفوجي لنا ! بفضله تشتهر مدينتنا ويأتينا الزوار من كل حدب ليروا بأم أعينهم أن جبل الفوجي والأرض التي نعيش عليها هما حليفان يجري في شرايينهما نفس سائل الحياة الخالد !
وصلنا الى مدينة تويوتا في العاشرة صباحاً واستقبلنا مدير المخابر بأدب وانحناءة ٩٠ درجة حتى بانت لنا نقرة رأسه !!
بعد ان تأكدوا من أن كل هواتفنا المحمولة تم وضعها في مكان مغلق في صالة المحاضرات، بدأت زيارة مخابر المحركات التي تتألف من ١٢٧ محطة تحوي كل منها علو محرك خاص تُجرى عليه شتى انواع البحوث والقياسات ! وبينما مشينا باتجاه هده المخابر تبين لنا ان تويوتا تملك اوتوسترادا خاصاً طوله عدة كيلومترات ! ورأينا بين الحين والآخر سيارات تسير وعلى هياكلها ألواح من الخشب لتجنب فضح تصميمها الخارجي اللذي يُعتبر أحد الأسرار التي يُحافظ عليها بدقة حتى يوم خروجها الى الاسواق !

بعد الزيارة أكلنا في مطعم بسيط داخل البناء وصار يمكن لاجتماع فريق البحث مع مهندسي تويوتا ان يبدأ ! أقترب مني أوهادا مبتسماً وقال : هل انت مستعد لزيارة المنطقة برفقتي ؟ أجبت طبعاً !
محطتنا الاولى كانت زيارة جبل بركاني تنبع من سفوحه أدخنة صفراء تبثها من اعماق الارض الحمم البركانية ! أخذنا التيليفيريك للصعود الى اعلى الجبل ! جلست بجانب أوهادا منظر الى القمم التي صارت أمامنا وخلفنا في الأسفل كان يمكن رؤية البحيرة الوادعة التي كانت ترفدها ثلوج الجبال الذائبة. كانت أمامنا في الحجرة الصاعدة أم ومعها طفليها الصغيرين ! كانت الطفلة في منتهى الجمال بعينيها اللوزيتين ! اشارت الوالدة الى طفليها بإصبع وجهته فوق رأسينا وقالت : انظرا هناك ! انه هناك !! التفت مع أوهادا آلى الوراء ولم نر شيئا يفسر لهجة اللهفة التي استخدمتها الام !! ويبدو ان الطفلين لم يريا شيئاً مثلنا اذا راحا يسألانها : اينه ؟ أينه ؟؟
أمعن أوهادا النظر ولا بد انه استحضر بعضاً مما يعرفه عن المنطقة وفجأة بدا عليه السرور ونظر الي مشيرا الى نفس المكان الذي كانت الام تشير اليه :
جبل الفوجي … !
كعادته وربما منذ آلاف السنين ، كان جبل الفوجي يختبئ بجلال خلف الغيوم ! وكانت قمته مغطاة بالثلوج التي كان لها لون الغيوم مما جعل من الصعب على الطفلة ان تراه قبل تمعن النظر اليه تحت إشراف أمها التي راحت تعطي لها الإرشادات و التوجيهات !! كم كانت فرحتها صادقة عندما تجلى لها الجبل وتأكدت من وجوده ! إن من رأى تلك الفرحة والابتسامة التي رسمتها على وجه تلك الطفلة اليابانية يتوقف عن التساؤل عما اذا كان لجبل الفوجي معنى خاص او خصائص مختلفة عن أشباهه من الجبال ! لا يمكن لك بعد تلك التجربة الا ان تقر بما لا يرقى له الشك بان هذا الجبل يقطن في قلوب الناس، كل منهم يحبه لسبب ما في قراره نفسه !! ولكن المراقب الخارجي قد يخطر على باله ان جبل الفوجي يمثل أحلى ما في صفات هذه البلاد المنعزلة : البساطة و التواضع ! ولكنهما بساطة و تواضع تدعمهما الثقة برساخة الدعائم التي يستندان اليها من حضارة وتاريخ !! إنهما بساطة وتواضع خلقتهما الحضارة لا غيابها !! إنهما اعلى درجات التطور رغم ما يظنه البعض !!!